الشيخ محمد رشيد رضا
310
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
المستعمرين وشرهم وفظائعهم في الشرق ، وانتشار البلشفية ومفاسدها في البلاد الروسية وغيرها ، وبث دعوتها في العالم - فصار من الواجب مراعاة ذلك في الدعوة إلى الدين والاحتجاج له ورد الشبه التي توجه اليه . وقد ذكرت في تفسير آية سورة آل عمران المشار إليها آنفا ( أي 4 : 104 ) حاجة الداعي إلى الاسلام في هذا الزمان إلى أحد عشر علما منها السياسة ولغات الأقوام الذين توجه إليهم الدعوة وأشرت هنالك إلى مقالة كنت كتبتها قبل ذلك في المنار في الدعوة وطريقها وآدابها اللغة العربية لغة الاسلام ومما يدخل في بحث اتباعه صلوات اللّه وسلامه عليه تعلم لغته التي هي لغة الكتاب الآلهي الذي أوحاه اللّه تعالى اليه وأمر جميع من اتبعه ودان بدينه أن يتعبده به وان يتلوه في الصلاة وغير الصلاة مع التدبر والتأمل في معانيه ، وذلك يتوقف على اتقان لغته وهي العربية . فالمسلمون يبلغون الدعوة لكل قوم بلغتهم حتى إذا ما هدى اللّه من شاء منهم ودخل في الاسلام علموه أحكامه ولغته ، كذلك كان يفعل الخفاء الفاتحون في خير القرون وما بعدها إلى أن تغلبت الأعاجم على العرب وسلبوهم الملك فوقفت الدعوة إلى الاسلام وضعف العلم بالعربية إلى أن قضى عليها الترك وحرمتها حكومتهم عليهم في هذا الزمان ، لتقطع كل صلة لهم بدين القرآن ، وقد فصلنا هذه المباحث في مجلة المنار تفصيلا ومما نشرناه في هذا الموضوع مقال في لغة الاسلام نشرناه أولا في بعض الجرائد اليومية وفيه تصريح للامام الشافعي رضي اللّه عنه بوجوب تعلم اللغة العربية على جميع المسلمين في رسالته في أصول الفقه ، ذلك بأنه بين ان القرآن كله نزل بلسان العرب ليس فيه شيء إلا بلسانهم ثم قال ما نصه : « فان قال قائل : ما الحجة في أن كتاب اللّه محض بلسان العرب لا يخلطه فيه غيره ؟ فالحجة فيه كتاب اللّه ، قال تبارك وتعالى ( وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ) « فان قال قائل : فان الرسل قبل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم كانوا يرسلون إلى قومهم خاصة ، وان محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بعث إلى الناس كافة ، ( قيل ) فقد يحتمل أن يكون بعث بلسان قومه خاصة ويكون على الناس كافة أن يتعلموا